نصر حامد أبو زيد
58
الاتجاه العقلي في التفسير
وإذا كان الباقلاني لم يتعرّض لتحديد ماهية العقل ومراحله المختلفة ، فإن تقسيمه للعلوم إلى ضرورية ونظرية ينبئ عن تصور ما لطبيعة النشاط العقلي وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة . ومن المؤكد أن الباقلاني وغيره من متكلمي القرن الرابع لم يكونوا بعيدين عن المباحث الفلسفية التي تأثرت خطى أرسطو في التفرقة بين مراحل النشاط العقلي في كتابه « في النفس » ابتداء من الإدراك الحسي وانتهاء إلى العقل الفعّال مرورا بالحس المشترك . غير أن المتكلمين ركّزوا نشاطهم العلمي في البحث عن مظاهر النشاط العقلي دون البحث في ماهيته . وإذا كان الفلاسفة قد تأثّروا خطى الإسكندر الأفروديسي - أحد شرّاح أرسطو - في التمييز بين ثلاثة أنواع من العقول هي « العقل الهيولاني ، والعقل بالملكة ، والعقل الفعّال » 55 فإن العقل الهيولاني ليس إلّا الغريزة التي وهبها اللّه للممتحنين كما أشار إليها الحارث المحاسبي ، وبعبارة الخوارزمي « هو القوة في الانسان وهي في النفس بمنزلة القوة الناظرة في العين » 56 . أو « هو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات ، وهو قوة محضة خالية عن الفعل كما للأطفال وإنما نسب إلى الهيولى الأولى الخالية في حد ذاتها عن الصور كلها » 57 . وأمّا العقل بالملكة فهو يساوي عند الباقلاني ما أطلق عليه العلم الضروري ، و « هو علم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات » 58 . وأخيرا فإن العقل الفعّال - أو المستفاد - هو ما أطلق عليه الباقلاني العلم النظري و « هو أن تصير النظريات مخزونة عند قوة العاقلة بتكرار الاكتساب ، بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشم كسب جديد » 59 ومن الملاحظ أن الباقلاني لم يشر إلى « العقل الهيولاني » أو إلى الغريزة التي تعدّ مقدمة لتلقي العلوم الضرورية بجانبيها الحسي والبديهي ، واكتفى بالحديث عن أقسام العلوم وقسّمها إلى علم إلهي قديم ليس بعلم ضرورة أو استدلال ، وعلم المخلوقين المحدث بقسميه الضروري والنظري . وهذه القسمة تكشف عن المنطلق الذي حدد للمتكلمين دروبهم الخاصة في البحث في قضية العقل والمعرفة ، فلم تنفصل هذه القضية - كما سبقت الإشارة - عن قضايا التوحيد والعدل . وهي مرتبطة عند الباقلاني بقضية العلم الإلهي والتفرقة بينه وبين العلم البشري . ويبدو تأثر الباقلاني في هذه المشكلة واضحا بأبي هاشم الجبّائي ( ت 330 ه ) الذي ذهب إلى أن اللّه « عالم لذاته ، بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا ، وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها » 60 أي أنه يثبت العلم صفة وراء الذات وليست منفصلة عنها أو مغايرة لها . وهو في هذه النقطة يختلف عن أبي الهذيل العلاف الذي اعتبر أن « علمه ذاته » 61 ولم يثبت العلم صفة أو حالا وراء الذات . يقول الباقلاني متفقا مع أبي هاشم « الحال الذي